أدلى أوكامبو،
المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، منذ بضعة أيام بحديث لتليفزيون هيئة
الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، رداً على سؤال حول موقفه من مباشرة التحقيق في
ادعاءات ارتكاب القوات الإسرائيلية جرائم حرب في عدوانها الأخير على غزة. قال
أوكامبو: إذا أرادت الدول العربية ذلك فليس أمامها سوى أن تتحرك من خلال مجلس الأمن
حتى يمكن أن تباشر المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في الأمر. يعلم أوكامبو جيداً
ـ وهو يدلي بهذا التصريح ـ أنه إن تحركت الدول العربية باتجاه مجلس الأمن طالبة
تحويل ملف جرائم الحرب الإسرائيلية إلى المحكمة- وهو أمر مشكوك فيه من جانب النظام
العربي المتهاوي- فإنه سوف ينتظرها هناك دون أدنى شك الفيتو الأمريكي المُشهر
دائماً في مواجهة أي قرار أو مشروع قرار يشتم منه أدنى درجات الإدانة لإسرائيل، ألا
يعني هذا أن أوكامبو يغلق الباب أمام تناول المحكمة، التي يمثل الادعاء فيها، أمر
جرائم الحرب تلك؟.. وهل أصاب أوكامبو كبد الحقيقة حين قال: إن هذا هو الطريق الوحيد
المتاح لكي تبدأ المحكمة التحقيق في ادعاءات بجرائم حرب ارتكبتها إسرائيل؟.
تنص المادة 13 من اتفاقية روما التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2002 ـ وهي
الاتفاقية التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية ـ على أنه توجد ثلاثة طرق لمباشرة
المحكمة للتحقيق في أي ادعاء بارتكاب جرائم من التي تقع في اختصاصها، وهي جرائم
الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وجريمة العدوان "لم يتم
توصيف تلك الجريمة بعد": الطريق الأول هو أن تطلب دولة من الدول الموقعة على
الاتفاقية من المدعي العام التحقيق فيما تراه جريمة من الجرائم الواقعة في اختصاص
المحكمة بغرض البت فيما إذا كان يتعين توجيه الاتهام لشخص معين أو أكثر بارتكاب تلك
الجرائم، والطريق الثاني هو أن يحيل مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم
المتحدة حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من الجرائم الواقعة في
اختصاص المحكمة قد ارتكبت، وتنص المادة 15 من تلك الاتفاقية على أنه يجوز للمدعي
العام أن يباشر التحقيقات من تلقاء نفسه على أساس ما يتوافر له من معلومات متعلقة
بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة، وعليه في تلك الحالة أن يقدم تلك المعلومات إلي
دائرة خاصة في المحكمة تسمي دائرة "ما قبل المحاكمة" طالباً الإذن بالتحقيق.
واقع الأمر أن حوالي ثلاثمائة منظمة حقوق إنسان تقدمت بطلبات للمدعي العام بمباشرة
التحقيق فيما ارتكبته إسرائيل من جرائم حرب أثناء عدوانها الأخير على غزة، كما أن
عددا من أبرز الشخصيات الحقوقية والقانونية العالمية توجه للمدعي العام بنفس الطلب،
من بينهم ماري روبنسون المقررة السابقة للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة،
وريتشارد فولك النائب الحالي للجنة نفسها. واقع الأمر إذن أن أوكامبو تلقي طلبات
جدية بالتحقيق في تلك الجرائم، لكنه لم يتوجه لـ "دائرة ما قبل المحاكمة" طالباً
الإذن بمباشرة التحقيق، وهو الأمر الذي تُخوّله له المادة 15 من اتفاقية روما. ومن
المؤكد أن موقف أوكامبو الأخير بعدم استجابته لكل النداءات التي وُجهت له مطالبة
بالشروع في التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية يضر ضرراً بالغاً بالأساس الموضوعي
للقانون الإنساني العام، إذ يجمع كل فقهاء القانون على أن العدالة هي أساس أي
قانون، وأنه بانتفاء العدالة لا يمكن ضمان احترام الناس للقانون.
إن الإجراءات القانونية العوراء التي ترى مجرمين بعينهم دون أن ترى مجرمين آخرين لا
يمكن أن تجد تأييداً ملموساً من الرأي العام. صحيح أن العدالة نسبية، وأن العدالة
المطلقة هي وهم مطلق، لكن كل التاريخ الإنساني الإيجابي والتقدمي ما هو إلا محاولة
من اقتراب النسبي قدر الإمكان من المطلق، وهذا فقط ما يكسب النضال من أجل العدل
والمساواة ـ رغم طابعهما المطلق ـ قيمته الحقيقية. سوف يظل كل المدافعين عن ضرورة
احترام القانون الإنساني العام والخضوع للمعايير الدولية لحقوق الإنسان في موقف صعب
طالما ظلت تلك المعايير تستخدم بشكل انتقائي، فيفلت مجرمو الحرب الإسرائيليون من
أيدي العدالة، بينما تُنصب المحاكم للبشير وأمثاله من الطغاة.
ما هي ردود الفعل المحتملة من الرأي العام تجاه تلك العدالة العوراء؟، أول رد فعل
محتمل هو سياسة لطم الخدود والتنديد بكل ما يمت بصلة لمعايير حقوق الإنسان
ومنظماتها والناشطين في صفوفها، والنظر إلى كل هؤلاء باعتبارهم مجرد عملاء يستخدمون
من قبل القوى المهيمنة علي النظام العالمي كأدوات لتحقيق مخططات تلك القوي في
بلادنا، وسوف يكون من السهل لمن يتبنى رد الفعل هذا أن يستخدم تعبير الاستعمار
القضائي لتأليب الرأي العام على كل ما تم إنجازه باتجاه خلق كيانات قانونية عالمية،
ومن بينها المحكمة الجنائية الدولية. تتغذى تلك الأفكار على نظرية المؤامرة، وهي في
ظروف بلاد مُضطهدة كبلادنا أسهل النظريات استجابة لغرائز الرأي العام. رد الفعل
الثاني المحتمل هو النزوع إلى الإرهاب رداً على سياسة الكيل بمكيالين، وهو أمر لا
يختلف إلا من حيث الدرجة عن رد الفعل الأول، بل إنه من منظور المنطق الشكلي أكثر
منطقية، فهو يواجه المؤامرة المفترضة بمؤامرة حقيقية. رد الفعل الإيجابي الوحيد ـ
من وجهة نظرى ـ هو التمسك بما تم إنجازه في مجال حقوق الإنسان وما تم من محاولات
خلق أطر للعدالة الدولية، وتوجيه النقد الحاد لأوجه القصور في أشكالها الحالية،
وبمحاولات القوى المهيمنة استخدامها لتحقيق مآربها دون أن يؤدي ذلك إلى التهوين من
أهمية ما حققه النضال الإنساني في خلق نظام قيمي عالمي وإنساني يجب البناء عليه،
وما النقد للعدالة العوراء، والإصرار على تخليصها من هذا العوار، وإجبارها على أن
ترى بكامل العينين، إلا محاولة في هذا الاتجاه